محمد بن جرير الطبري

351

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فلا تبدوه ( 1 ) = " أو تعفوا عن سوء " ، يقول : أو تصفحوا لمن أساءَ إليكم عن إساءته ، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به = " فإن الله كان عفوًّا " ، يقول : لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه ، يصفح عمن عصَاه وخالف أمره ( 2 ) = " قديرًا " ، يقول : ذا قدرة على الانتقام منهم . ( 3 ) وإنما يعني بذلك : أن الله لم يزل ذا عفو عن عباده ، مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إيّاه . يقول : فاعفوا ، أنتم أيضًا ، أيها الناس ، عمن أتى إليكم ظلمًا ، ولا تجهروا له بالسوء من القول ، وإن قدرتم على الإساءة إليه ، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم ، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره . * * * وفي قوله جل ثناؤه : " إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًا قديرًا " ، الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويل قوله : " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " ، بخلاف التأويل الذي تأوله زيد بن أسلم ، ( 4 ) في زعمه أن معناه : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأهل النفاق ، إلا من أقام على نفاقه ، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول . وذلك أنه جل ثناؤه قال عَقِيب ذلك : " إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء " ، ومعقولٌ أن الله جل ثناؤه لم يأمر المؤمنين بالعفو عن المنافقين على نفاقهم ، ولا نهاهم أن يسمُّوا من كان منهم معلنَ النفاق " منافقًا " . بل العفو عن ذلك ، مما لا وجه له معقول . لأن " العفو " المفهوم ،

--> ( 1 ) انظر تفسير " الإخفاء " فيما سلف 5 : 582 . ( 2 ) انظر تفسير " عفا " و " عفو " فيما سلف 2 : 503 / 3 : 371 / 7 : 215 ، 327 / 8 : 426 / 9 : 102 . وفي المطبوعة والمخطوطة : " يصفح لهم عمن عصاه " ، والصواب حذف " لهم " ، إذ لامكان لها . ( 3 ) انظر تفسير " قدير " فيما سلف ص : 298 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . ( 4 ) انظر الأثران رقم : 10763 ، 10764 .